الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

31

حاشية المكاسب

بل عن اللَّغويّين أنفسهم تفسيره بذلك وعليه يتوافق أكثر تفاسير الغناء ويرتفع الخلاف بين الآخذين لمقيد الإطراب والتّاركين له قوله قدس سره وهذا القيد هو المدخل للصّوت حالة الطَّرب والميل إلى الرقص والتلهّي أثر للكيفيّة القائمة بالصوت وكون الأثر لهوا لا يقتضي كون المؤثر لهوا نعم هو مله إلَّا أن يقال إنّ الإلهاء لهوا آخر قائم بالملهي قوله قدس سره فكأنّه قال في القاموس وذلك لأن معنى طرب به جعله ذا طرب لا جعله ذا إطراب فالطَّرب وصف قائم بالصوت لا وصف قائم بالمستمع للصوت إلَّا أن يكون طرب به في كلام القاموس بصيغة المعلوم والباء للسببيّة لكنّه خلاف الظاهر لعدم سبق ذكر من الفاعل ليعاد إليه الضّمير قوله قدس سره مع أنه لم يذكروا للطرب معنى آخر هذا منهم ذكر لمعنى آخر نعم لم يذكروه في مادّة طرب قوله قدس سره إنّما هو للفعل القائم بذي الصوت إذا كان الفعل القائم بذي الصوت هو جعل الصوت ذا مدّ وترجيع فلا جرم يكون معنى طرب بالصوت مدّه ورجّعه نعم إطراب الصوت هو أن يحدث الخفّة في السّامع وعلى هذا فإن كان الغناء مفسّرا في كلام المشهور بالترجيع المطرب تعيّن أن يكون الطرب بمعنى الخفّة وإن كان مفسّرا بترجيع الصّوت مع الطَّرب كان معناه الطَّرب الصوتي وهو المدّ قوله قدس سره فيمكن أن يكون معنى تطريب هذا على خلاف القياس وحمل كلماتهم على ذلك خلاف آخر من غير ما يقتضيه والتّفريح أيضا إيجاد الفرح في الشخص لا إيجاد سبب الفرح فيه وحيث إن إيجاد الفرح في الشخص يكون بإيجاد سببه فيه توهّم من ذلك أنّ التّفريح هو إيجاد سبب الفرح في الشخص قوله قدس سره إذ لم يتوهّم أحد كون الطَّرب نفس هذه العبارات تصريحات من اللَّغويين بكون الطرب بمعنى التّرجيع ومدّ الصوت قوله قدس سره مع أن مجرّد المدّ والتّرجيع إن تمّ هذا القطع دلّ على أنّ المحرّم نوع خاصّ من الغناء لا مطلق الغناء لا أنّ الغناء نوع خاصّ ممّا اشتمل على المدّ والترجيع أعني ما كان مطربا لكن النزاع يسقط حينئذ عن الاعتبار قوله قدس سره ولقد أجاد في الصّحاح لم أفهم ما الَّذي أعجبه من الصّحاح حتّى استحسنه أوّلا واستجوده أخيرا مع أنّ السّماع بنفسه مفهوم متشابه بعد أن لم يكن المراد به حقيقته والظَّاهر أنّه كناية عن أنواع الآلات الَّتي يستلذّ بها من طريق السّمع أو كناية عمّا يعمّها والغناء قوله قدس سره أحدهما قصد التلهّي لا يحرم الشيء بمجرد قصد التلهي بل اللَّهو ليس بحرام بإطلاقه ولو فرض دلالة الدّليل على حرمته وجب التصرف فيه بحمله على لهو خاص للقطع بعدم حرمة اللَّهو بمعنى إشغال النّفس بما لا يعني وصرفها عن ذكر اللَّه تعالى ثم إنّ مقتضى ما حقّقه سابقا هو أن الغناء في ذاته لهو بلا توقّف على القصد فكان من ثاني قسمي اللَّهو قوله قدس سره تارة من حيث أصل الحكم الظَّاهر أن لا خلاف في حرمة الغناء ومن نسب إليهما الخلاف كلامهما صريح في الاعتراف بالمنع نعم في خصوص ما كان من الغناء في كلام باطل بدعوى انصراف أخبار المنع إلى ما كان متعارفا في تلك الأعصار وهو ما كان في كلام باطل وقد أضاف إلى ذلك السّبزواري تقييد عموم المنع بخصوص علَّته المستشعرة من بعض الأخبار وأنّه اللَّهو ومن المعلوم أنّ اللَّهو مختصّ بالكلام الباطل قوله قدس سره وعلى هذا فلا بأس بالتغني بالأشعار يفهم من هذا أنّ مدار التّحليل والتحريم على حقيّة الكلام وبطلانه ويزيد هذا وضوحا ذيل كلامه بعد قوله وبالجملة فلو كان المدار على اجتماع أمور ذكره من دخول الرّجال واللَّعب بالملاهي والتكلَّم بالباطل لجاز بارتفاع كل من الأمور الثّلاثة فجاز الغناء في كلام باطل إذا لم يدخل عليها الرجال أو لم تكن تلعب بالملاهي ولجاز في كلام حق وإن دخل عليها الرّجال أو لعبت بالملاهي والحرمة من جهة دخول الرجال واستماعهم أصواتهنّ أو النّظر إلى وجوههنّ وكذا الحرمة من جهة ضرب الملاهي أجنبيّة عن الحرمة من جهة الغناء قوله قدس سره أمكن بلا تكلَّف أي تكلَّف أعظم من حمل قوله على النحو المتعارف في زمن الخلفاء من دخول الرجال عليهنّ وتكلَّمهن بالباطل ولعبهنّ بالملاهي على ما كان مناسبا لذلك مع أنّا لا نفهم ما المعنى من المناسبة لذلك حتّى لم تكن تلك المناسبة مع دخول النساء والتكلَّم بالحقّ وأيضا كيف يمكن التصرّف في ذيل كلامه الصّريح في التفصيل بين أفراد الغناء باعتبار الكلام المتغنّى به على التّفصيل بين الكيفيّتين بين البالغ حدّ الترجيح المطرب وبين غير البالغ قوله قدس سره منها ما عن الحميري لا يبعد اتحاد روايتي عليّ بن جعفر وأيضا اتّحاد روايتي أبي بصير بل رواياته الثّلاث وقد ترك المصنّف ثالث الثلاثة والمتحصّل من مجموع هذه الأخبار عدم المنع من الغناء ذاتا وإنّما تحرم إذا عصى بها أو أزمر بها والظَّاهر من العصيان بها ولو بقرينة الإزمار بها في الرواية الأخرى هو إيجاد الغناء في جوف المزمار أو آلة أخرى لهويّة فإنّ العصيان بالغناء يكون في هذه الصورة وأمّا صورة ضمّ ضرب شيء من آلات الأغاني إلى الغناء فالعصيان يكون بتلك الضّمائم لا بالغناء وأمّا تعليق الحكم في رواية أبي بصير على دخول الرّجال فلعلَّه أيضا إشارة إلى التغني في جوف آلات اللَّهو على أن يكون دخول الرجال عنوانا معرّفا للخارج أعني مجالس المغنيات الَّتي كنّ يتّخذنها للتكسّب فيدخل الناس عليهنّ للتفرّج فلعلّ غناءهن كان في جوف المزمار كما هو الشّائع في هذه الأعصار فكانت الحرمة من هذه الجهة لا من جهة دخول الرجال وكان دخول الرجال عنوانا معرّفا لذلك كما يشهد له أن سماع الأجانب أصواتهنّ أو نظرهم إلى وجوههنّ موجود في الَّتي تدعى إلى الأعراس وتزف العرائس وقد حكم ع بعدم البأس بها والحاصل أنّ المتيقّن من هذه الأخبار حرمة الغناء في جوف آلات اللَّهو دون المنضمّ إليها ضرب الأوتار أو دخول الرجال فإن تلك محرمات أخر أجنبيّة عن الغناء بخلاف الغناء في جوف المزمار فإنّها عينا هو الضرب في المزمار وبهذه الأخبار يقيّد مطلقات حرمة الغناء إن لم يكن منصرفها في ذاتها ذلك أو كانت بقرينة تعليلاتها باللَّهو مقيّدة بذلك أو لعلّ الإطلاق فيها منزّل على مطلق المرجوحيّة ويقرّبه دلالة بعض الأخبار على أنّ المنع بمناط اللَّهو ومن المعلوم أنّ اللَّهو بما هو لا يقتضي التحريم وإلَّا حرم كثير من المباحات الملهية عن ذكر اللَّه تعالى قوله قدس سره ولا مقدّمة للمعاصي المقارنة له يعني لم يكن الغرض والمقصود الأصليّ التوصّل بها إلى تلك الضّمائم والملاهي المقارنة لها قوله قدس سره والظَّاهر أنّ المراد بقوله ما لم يزمر به ما لم يزمر به يحتمل احتمالات الأوّل ما لم يزمر به يعني لم يتغنّ في جوف المزمار وهذا هو الظَّاهر حملا للمزمار على ظاهره الثاني ما لم يزمر به يعني لم يتغنّ شبه ضرب المزمار فكأنّما يضرب في المزمار الثالث ما لم يزمر به يعني لم يضرب معه بالمزمار ويحتمل أن تكون العبارة ما لم يوزر به مرادف ما لم يعص به وفي نسخة الوسائل عندي ما لم يؤمر به قوله قدس سره ويظهر منه أن كلا الغناءين من لهو الحديث بل ظاهره أنّ الغناء الأوّل من لهو الحديث قوله قدس سره وهذا لا يدل على دخول ما لم يكن لو شارك ما لم يدخل عليها الرجال مع ما يدخل في الحرمة لغا التّقييد به في الرّواية مع أنّها واردة في مقام بيان ضابط الحرام من الحلال مع أنه لو لم تدلّ هذه الرّواية فالرّواية الثانية لأبي بصير صريحة في ذلك بملاحظة تعليلها بأنّها ليست بالَّتي تدخل عليها الرّجال قوله قدس سره فتأمّل لعلَّه إشارة إلى أنّ القائلين الماضيين لا ينكران مضمون الحديث وإنّما إنكارهما تحقّق الإلهاء فيما كان من الغناء في ذكر وقرآن وفيما يذكر به الجنّة والنّار ونعيم الملك الجبّار وبالجملة في كل كلام حقّ قوله قدس سره وفيه أنّ أدلة المستحبات لا تقاوم تارة يدّعى أن أدلَّة الأحكام الترخيصيّة لا تقاوم في مقام الإثبات أدلَّة الأحكام الاقتضائيّة بمعنى أنّها طرّا مهملة في جنبها خالية عن الاقتضاء في جانبها يعني لا يشمل إطلاقها موردا قام فيه دليل على حكم اقتضائي أو أنّها منصرفة عن هذا المورد وهذه الدّعوى إثباتها على وجه العموم في غاية الإشكال ومن سبر أدلَّة الأحكام التّرخيصيّة واستوعب